محمد متولي الشعراوي

1321

تفسير الشعراوى

وحرث وأنعام وعدة وعتاد قد دامت لك ، فما الذي يحدث ؟ إن الدنيا محدودة . ولا أحد يستطيع أن يستديم الدنيا ، لذلك فلن يستطيع أحد أن يستديم الخير لأن عمره في الدنيا محدود . وحياة الإنسان في الدنيا لم يضع اللّه لها حدا يبلغه الإنسان . إن اللّه لم يحدد عمرا يموت فيه الإنسان ، ولكن لكل إنسان عمر خاصّ محدود بحياته ، فعندما يولد أي طفل لا تنزل معه بطاقة تحدد عدد السنوات التي سوف يحياها في الدنيا . وهو سبحانه قد جعل عدد سنوات الحياة مبهما لكل إنسان ، ولذلك يقال إن الإبهام هو أعلى درجات البيان ، الحق أخفى توقيت الموت وسببه عن الإنسان . متى يأتي ؟ في أي زمان وفي أي مكان ؟ كل ذلك أخفاه فأصبح على المؤمن أن يكون مترقبا للموت في كل لحظة . إن الإبهام للموت هو البيان الوافي ، وما دامت الدنيا مهما طالت فهي محدودة وغير مضمونة للإنسان أن يحياها ، ونعيمه فيها على قدر إمكاناته وقدرته ، وإن لم تذهب الدنيا من الإنسان فالإنسان نفسه يذهب منها . فإذا ما قارنت كل ذلك باسم الحياة التي نحياها الآن ، إنّ اسمها « الدنيا » أي « السفلى » ومقابل « الدنيا » هو « العليا » وهي الحياة في الآخرة . ولماذا هي « عليا » ؟ لأنها ستصعد الخير . فبعد انقضاء هذه الحياة المحدودة ، يذهب المؤمن إلى الجنة وبها حياة غير محدودة ، وهذا أول تصعيد . ويضمن المؤمن أن أكلها دائم لا ينقطع . ويضمن المؤمن أنه خالد في الجنة فلا يموت فيها . ويضمن المؤمن قيمة هذه الجنة ؛ لأن الخير إنما يأتي على مقدار معرفة الفاعل للخير . ومعرفة الإنسان للخير جزئية محدودة ، ومعرفة اللّه للخير كمال مطلق . فالمؤمن في الآخرة يتنعم في الخير على مقدار ما علم اللّه من الخير . إذني فحياتنا هي الدنيا ، أي السفلى ، وهناك الآخرة العليا . فإذا طلب المنهج منا ألّا ننخدع بالدنيا ، وألّا ننقاد إلى المتاع فهل هذا لون من تشجيع الحب للنفس أو تشجيع للكراهية للنفس ؟